منذ 9 ساعات
قيصر حيدر
في ناحية الشمال التابعة لقضاء سنجار في محافظة نينوى، يقف مجمع اليرموك (بورك) شاهدًا على قصة طويلة من التهجير، والصمود، والعودة، ومعاناةٍ لم تنتهِ حتى اليوم.
بورك ليس مجرد مجمع سكني، بل هو موطن لعشرات الآلاف من أبناء سنجار، الذين أُجبروا في سبعينيات القرن الماضي على ترك قراهم القديمة القريبة من جبل سنجار، والانتقال إلى هذا المجمع الذي أُنشئ عام 1975. وجاء سكانه من قرى ومناطق متعددة، منها كنا كفن، كري عربا، سمي هيستر، كولكا، يوسفا، علدينا، وغيرها من القرى القديمة، ليشكلوا مجتمعًا متنوعًا من العشائر والعوائل الإيزيدية.
قبل أحداث 3 آب 2014، كان يسكن بورك ما يقارب 35 ألف نسمة. وبعد ما تعرض له أبناء سنجار من إبادة وتهجير على يد تنظيم داعش، تشتت الأهالي في مناطق مختلفة، إلا أن أبناء بورك، كما هو حال الكثير من أبناء سنجار، بدأوا رحلة العودة إلى منازلهم وأرضهم.
واليوم، ومع عودة أغلب الأهالي إلى بورك، برزت مشكلة قديمة جديدة، بل هي مشكلة عمرها أكثر من خمسة عقود: الماء.
منذ عام 1975 وحتى يومنا هذا، لم يمتلك أهالي بورك شبكة مياه توفر لهم مياه الشرب بصورة مستقرة. وعلى مدى هذه السنوات الطويلة، اضطر الأهالي إلى شراء المياه من الصهاريج المتنقلة، لتصبح عملية الحصول على الماء جزءًا يوميًا من حياة العائلات، رغم أن الماء ليس رفاهية ولا خدمة ثانوية، بل هو حق أساسي وشرط من شروط الحياة والاستقرار.
ومع تزايد أعداد السكان وعودة الأهالي، أصبحت الحاجة إلى مشروع متكامل للمياه أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
وفي محاولة من الأهالي لمعالجة المشكلة، جرى خلال الفترة الماضية تنفيذ شبكات للمياه وحفر عدد من الآبار، على أمل أن تكون خطوة نحو إنهاء معاناة السكان. لكن هذه الآبار لم تصمد طويلًا، إذ جفت خلال فترة قصيرة، لتعود معاناة الأهالي من جديد، ويبقى الاعتماد على الصهاريج المتنقلة هو الحل المؤقت لمشكلة يفترض أن يكون لها حل دائم.
إن استمرار هذه المعاناة في مجمع يضم آلاف العائلات، وبعد مرور أكثر من خمسين عامًا على تأسيسه، يمثل تحديًا حقيقيًا أمام الاستقرار وإعادة الإعمار.
فكيف يمكن أن نتحدث عن عودة الأهالي واستقرارهم في سنجار، من دون توفير أبسط مقومات الحياة؟
وكيف يمكن أن نشجع العائلات التي عانت من التهجير والنزوح على البقاء والعودة، بينما لا تزال تضطر يوميًا إلى شراء مياه الشرب؟
مشروع ماء بورك... ليس مشروعًا خدميًا فقط
إن إنشاء مشروع ماء متكامل لمجمع بورك يجب أن يكون من الأولويات الأساسية في خطط إعادة الإعمار والاستقرار في المنطقة.
المطلوب ليس حلًا مؤقتًا، ولا بئرًا قد يجف بعد أشهر، وإنما مشروع مستدام يعتمد على مصدر مائي موثوق، ومحطة معالجة وضخ، وشبكة توزيع حديثة تصل إلى جميع أحياء المجمع، بما يضمن حصول الأهالي على مياه صالحة للشرب بصورة مستمرة.
إن مشروع ماء بورك يعني أكثر من وصول المياه إلى المنازل؛ فهو يعني كرامة الأهالي، واستقرار العائلات، ودعم العودة، وتحسين الصحة العامة، وتعزيز ثقة السكان بمستقبل منطقتهم.
بورك اليوم بحاجة إلى مشروع ماء يليق بعدد سكانه وتاريخه ومعاناته.
فبعد أكثر من خمسين عامًا من الانتظار، وبعد سنوات من التهجير والنزوح والعودة، آن الأوان أن ينتهي مشهد الصهاريج وهي تتنقل بين أحياء المجمع لتبيع للأهالي ما يجب أن يصل إلى بيوتهم عبر شبكة مياه.
