منذ 8 ساعات
علو خلف
الأكراد في سوريا ولبنان وتركيا وإيران والعراق، والصابئة المندائيون، والكاكائيون، واليارسانيون، وأهل الحق، والعلويون، والشبك، والزردشتيون، وغيرهم من الجماعات والشعوب القديمة في بلاد الرافدين وبلاد الشام، يحملون في ذاكرتهم الثقافية والروحية طبقات عميقة من تاريخ هذه المنطقة.
ومن وجهة نظر تقوم على قراءة الرموز والموروثات والتقاليد القديمة، يمكن البحث في وجود جذور مشتركة وروابط حضارية عميقة بين هذه الجماعات وبين التراث الإيزيدي، الذي ما زال يحتفظ بالكثير من عناصر الموروث القديم لبلاد الرافدين.
وهنا أطرح فكرة للنقاش، لا باعتبارها حكماً نهائياً، بل باعتبارها سؤالاً تاريخياً وحضارياً يستحق البحث:
هل يمكن أن تكون بعض هذه الجماعات قد تفرعت، عبر قرون طويلة من التحولات الدينية والسياسية والاجتماعية، من جذور حضارية ودينية أقدم كانت منتشرة في بلاد الرافدين؟
لقد مرت هذه المنطقة بحملات وغزوات وإمبراطوريات وعمليات أسلمة وتعريب وتتريك وتغيير اجتماعي امتدت لقرون طويلة، ومن الطبيعي أن تتغير بعض المظاهر واللغات والطقوس، بينما تبقى في أعماق المجتمعات القديمة رموز وذاكرة وموروثات يصعب محوها بالكامل.
ولذلك فإن النظر إلى هذه الشعوب من خلال التصنيفات الدينية والسياسية الحديثة فقط قد لا يكون كافياً لفهم تاريخها العميق.
الإيزيديون وأبناؤهم الحضاريون
إذا أثبت البحث العلمي مستقبلاً وجود صلات تاريخية وأصول مشتركة بين الإيزيديين وبعض هذه الجماعات، فإن الاعتراف بهذه الروابط لا ينبغي أن يكون مشروعاً لإلغاء هوية أي شعب أو فرض هوية عليه، بل يمكن أن يكون جسراً للتقارب وإعادة اكتشاف التاريخ المشترك.
فليس المطلوب أن يقول شعب لشعب آخر: أنت أنا.
بل أن يقول:
ربما كنا نعيش في هذه الأرض منذ آلاف السنين، وربما حمل أجدادنا بعض الجذور الحضارية المشتركة، فلنبحث عن الحقيقة معاً.
إن بلاد الرافدين وبلاد الشام لم تكن يوماً أرضاً خالية من الشعوب والثقافات، بل كانت موطناً لحضارات وجماعات متعددة، تركت آثارها في اللغة والدين والعمارة والأساطير والرموز والاحتفالات والعادات.
وأنا أعتقد أن داخل هذه المجتمعات القديمة كنوزاً من المعرفة والرموز والذاكرة لم تُدرس بعد بما يكفي.
وقد تكون إعادة دراسة هذه الموروثات بعيداً عن التعصب الديني والسياسي واحدة من الطرق التي تساعدنا على فهم أنفسنا وفهم تاريخ هذه المنطقة بصورة أعمق.
هل يمكن أن يكون الاعتراف بالجذور المشتركة طريقاً إلى السلام؟
إن الوالد الذي يهمل أبناءه طويلاً قد يجدهم يوماً بعيدين عنه، وقد يتحول الإهمال إلى مشكلة تطال الأسرة كلها.
والأمر نفسه يمكن أن يحدث مع الشعوب والحضارات.
عندما تهمل الدولة تاريخ مكوناتها القديمة، أو تسمح بتهميشها واضطهادها، فإن المشكلة لا تبقى محصورة داخل تلك الجماعات، بل تتحول مع الزمن إلى مشكلة وطنية وإقليمية.
لذلك فإن حماية الإيزيديين، والصابئة المندائيين، والكاكائيين، والشبك، وغيرهم من الجماعات القديمة، وحماية تراثهم وحقوقهم، ليست خدمة لفئة واحدة فقط، بل هي حماية لجزء من ذاكرة بلاد الرافدين نفسها.
وقد يكون المستقبل الأفضل لهذه المنطقة ليس في محو الاختلافات، وإنما في الاعتراف بها، واحترامها، والبحث في الجذور التي ربما تجمع بينها.
فإذا كانت هذه الشعوب قد عاشت قروناً طويلة في هذه الأرض، واحتفظت رغم كل ما تعرضت له بجزء من ذاكرتها القديمة، فإن الوقت قد حان لكي نقرأ تلك الذاكرة بعين جديدة.
ربما لا نحتاج إلى صناعة تاريخ جديد لهذه المنطقة، بل نحتاج فقط إلى اكتشاف التاريخ الذي ضاع منا.
وإذا كان في تراث هذه الشعوب مفاتيح حضارية قديمة، فإن جمعها ودراستها قد لا يغير مستقبل الإيزيديين وحدهم، ولا مستقبل العراق وحده، بل قد يساهم في إعادة بناء علاقة جديدة بين شعوب المنطقة، أساسها المعرفة والاحترام والتعاون.
فالتاريخ المشترك لا يعني إلغاء الهويات.
والاختلاف لا يعني العداء.
والبحث عن الجذور لا يعني سرقة هوية الآخر.
إنه ببساطة محاولة لفهم:
من نحن؟ ومن أين جئنا؟ وكيف يمكن أن نبني معاً مستقبلاً أفضل في الأرض التي جمعت أجدادنا منذ آلاف السنين؟
