منذ 7 ساعات
مراد الخالتي
تُشكّل قضية سنجار والمناطق الإيزيدية واحدة من أكثر الشواهد حِدّة على كيفية تحوّل معانات المكونات الأصغر إلى ورقة مساومة في سوق الاستقطاب الحزبي والجيوسياسي إن النهج الذي يمارسه الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) تجاه الإيزيديين يمثّل صورة صريحة لسياسة الوصاية القسرية او الفرض بالقوة وهي سياسة تتجاهل إرادة أبناء المنطقة وتسعى لإخضاعهم لهيمنة إدارية وأمنية تُسلبهم حقهم الطبيعي في تقرير مصيرهم وإدارة شؤونهم بأنفسهم.
تتجلى هذه الوصاية في محاولة فرض الهوية القومية وتأطير الإيزيديين قسراً ضمن مشروع حزب واحد دون اعتبار للخصوصية الدينية والقومية والتاريخية التي تميز هذا المكون.
إن الإصرار على التعامل مع سنجار كـ ساحة نفوذ خلفية أو ورقة تفاوضية ضمن ملف المناطق المتنازع عليها يتغافل عن الحقيقة الأبرز أن سكان هذه المناطق ليسوا عقارات سياسية يُعاد توزيعها بين بغداد وأربيل بل هم مجتمع أصيل دفع الثمن الأغلى نتيجة الصراعات الحزبية.
لقد شكلت أحداث الثالث من أغسطس عام 2014 نقطة تحول مفصلية كشفت زيف ادعاءات الحماية.
إن انسحاب القوات المكلفة بالأمن البيشمركة آنذاك وترك المواطنين الأعزل لمواجهة الإبادة الجماعية على يد تنظيم داعش لم يكن مجرد إخفاق أمني بل كان انهياراً أخلاقياً وسياسياً أدى إلى قطع الخيط الأخير من الثقة بين الشارع الإيزيدي وتلك المنظومة الحزبية.
ومن هنا فإن الاستمرار في السعي لاستعادة النفوذ بنفس أدوات ما قبل عام 2014 ودون مراجعة حقيقية أو استحقاق إرادة السكان يمثل تكريساً لنهج الاستعلاء السياسي والفرض القسري.
تتجلى الخطورة الكبرى لهذه السياسات في تحويل سنجار إلى حلبة لتصفية الحسابات الإقليمية وتصفية النفوذ مع القوى الأخرى وهو ما تسبب في عرقلة عودة آلاف النازحين وتعطيل مشاريع إعادة الإعمار ورهن حياة المواطنين الإيزيديين في المخيمات لخدمة أجندات انتخابية وجغرافية. إن إصرار الأطراف الحزبية على الهيمنة وتهميش الصوت المحلي المستقل يحرم المنطقة من الاستقرار ويمنع بناء مؤسسات أمنية وإدارية يمثلها أبناء سنجار أنفسهم.
إن رفض الوصاية السياسية ليس مجرد موقف عاطفي بل هو مطلب حقوقي وأخلاقي إذ لا يمكن تحقيق الاستقرار المستدام في المناطق الإيزيدية إلا بإنهاء الفرض الحزبي واحتكام جميع الأطراف لإرادة الأهالي وتمكينهم من إدارة أمنهم ومؤسساتهم المحلية بشكل مستقل بعيداً عن صراعات النفوذ والمصالح الاستراتيجية الضيقة.
