منذ 6 ساعات
مراد الخالتي
شهادة في ذكرى سقوط تلعفر 15 يونيو 2014
في مثل هذه الأيام العصيبة التي شهدت سقوط مدينة تلعفر كنت شاهداً بعيني على لحظات قاسية رأيت انسحاب القوات العراقية بقيادة أبو وليد من المدينة ومن المطار تلعفر العسكري.
لقد سطر هؤلاء المقاتلون ملاحم حقيقية في الصمود والشجاعة لكنهم حوصروا دون أي سند أو إمدادات عسكرية.
ونظراً لسقوط مدينة الموصل آنذاك وسيطرة تنظيم داعش عليها لم يعد أمام تلك القوات سوى خيار وحيد وهو الانسحاب نحو قضاء سنجار للنجاة.
في تلك الأثناء رأيت الآلاف من العوائل التلعفرية وهي تفر من بطش وإجرام داعش يقطعون الطرق في العراء تاركين خلفهم ذكرياتهم بيوتهم وكل ما يملكون بحثاً عن ملاذ آمن.
لقد كان مشهداً يدمي القلوب دموع الأطفال والنساء لم تتوقف وهم يغادرون موطنهم الذي كان آمناً قبل أن يلتهمه وحش الحرب وفي خضم هذه المأساة تجلت أسمى معاني الإنسانية حيث فتح الإيزيديون في سنجار قلوبهم قبل بيوتهم واستقبلوا النازحين في منازلهم ومضايفهم ومدارسهم ليكونوا لهم السند والأمان في تلك الظروف الحالكة.
واحتضن إيزيديو سنجار إخوانهم في تلعفر قبل أيام المحنة
في سجلات التاريخ تظل بعض المواقف الإنسانية منارات تضيء عتمة الصراعات الطائفية التي كانت دائرة في العراق بوقتها.
وقبل أن تجتاح قوى الظلام مدينة سنجار وقبل أن يتعرض المجتمع الإيزيدي لواحدة من أقسى الإبادات الجماعية في التاريخ الحديث في 3 اغسطس عام 2014 كانت هناك صفحة بيضاء ناصعة كُتبت بأيدي أهل سنجار الإيزيديين تجاه إخوانهم في مدينة تلعفر الذين كان غالبيتهم من المكون الشيعي حينها كانت سنجار ملاذاً للجميع دون تفرقة وطائفية.
لم تكن سنجار مجرد منطقة جغرافية بل كانت قلباً نابضاً بالتعايش حين واجه أهالي تلعفر ظروفاً أمنية قاسية دخول تنظيم داعش الارهابي الى تلعفر لم يتردد الإيزيديون لحظة في فتح أبوابهم لقد كان هذا الموقف نابعاً من أصالة الضيافة وعمق الجيرة حيث استُقبل النازحون من تلعفر بقلوب مفتوحة قبل أن تصبح سنجار نفسها ساحة للمعاناة.
لقد كانت البيوت السنجارية بيوتاً لكل عراقي يتقاسم فيها أهالي سنجار الإيزيديون لقمة العيش مع إخوانهم من تلعفر في مشهد جسّد العراق الحقيقي قبل أن تحاول آلة الحرب تمزيق نسيجه.
كانت المبادرات الإنسانية في ذلك الوقت تتجاوز التوقعات حيث لم تكن مجرد مساعدات بل كانت واجباً أخلاقياً.
الأمن الغذائي والمأوى فتحت العائلات الإيزيدية في سنجار أبواب منازلها لاستضافة العائلات التلعفرية وكانت النسوة الإيزيديات يشاركن إخوانهن في تلعفر وجبات الطعام محولاتٍ البيوت البسيطة إلى مأدبة محبة في وقت كان فيه النازحون في أمسّ الحاجة للشعور بالأمان والكرامة.
إن ما يجعل هذا الموقف أكثر إثارة للتأمل هو التوقيت فقد قدم الإيزيديون هذا العطاء العظيم وهم في أمان نسبياً قبل أن تدور الدوائر وتغدر بهم قوى داعش التي استباحت الأرض والإنسان في سنجار.
إن إقدامهم على احتضان أهالي تلعفر رغم اختلاف المذهب والقومية وقبل أن يمروا هم بتجربتهم الأليمة يثبت أن الطيبة في المجتمع الإيزيدي هي خيار وجودي رد فعل لقد كانت أياديهم ممدودة بالخير حين كان الجميع في حاجة للآخر وهو ما يعطي للموقف رمزية أسمى وأكبر.
كانت درسٌ في الإنسانية لكل العراقيين
وإن قصة التراحم بين سنجار وتلعفر هي شاهد عيان على أن الضمير الإنساني يتجاوز الحدود التي يرسمها السياسيون أو المتطرفون حين نتذكر تلك الأيام نحن لا نتذكر مجرد مساعدات غذائية أو توفير مأوى بل نتذكر أرواحاً رفضت أن ترى الآخر يعاني وإن هذا التاريخ المشترك يظل دليلاً قاطعاً على أن العراق يمتلك جذوراً قوية من التسامح وأن ما فعله أهل سنجار تجاه إخوانهم في تلعفر سيظل محفوراً في الذاكرة كوثيقة إنسانية ترفض النسيان وتؤكد أن الخير مهما قست الظروف يظل اللغة الوحيدة التي يفهمها الإنسان الحر.
يتبع هذا الشهادة عشرات القصص وماجرى بعد سقوط تلعفر.
