محافظ نينوى ينجح في كسب تأييد ممثلين إيزيديين رغم استمرار معاناة سنجار



مقالات | 302
منذ 4 أسابيع

سلام قاسم

 

نجح محافظ نينوى في كسب تأييد عدد من النواب وأعضاء مجلس محافظة نينوى من المكون الإيزيدي، في خطوة سياسية محسوبة جاءت عقب موجة انتقادات واسعة أطلقها شباب سنجار، على خلفية سياسات وقرارات اتسمت بالتمييز على أساس ديني ومذهبي.

 

وقد تمثلت هذه السياسات بتوزيع شقق سكنية للنازحين في مدينة الموصل، مع تجاهل واضح للنازحين الإيزيديين من الناجين والناجيات من جرائم تنظيم د1عش الإرهابي، الذين ما زالوا يقيمون في المخيمات منذ أكثر من إحدى عشرة سنة، دون حلول جادة أو برامج حكومية فاعلة تضمن عودتهم الكريمة أو تعويضهم المنصف.


وفي هذا السياق، بادر المحافظ إلى توجيه دعوات ذات طابع عاطفي إلى نواب البرلمان وأعضاء مجلس المحافظة ونواب المحافظ من الإيزيديين، لحضور مؤتمر صحفي يتعلق بتوزيع شقق سكنية وأراض لذوي الشهداء والموظفين والناجيات في مدينة الموصل. وقد جرى التعاطي مع هذه الدعوات بعاطفة سياسية، دون التوقف عند أبعادها أو سياقها العام أو عند سجل الأداء التنفيذي للمحافظ تجاه قضاء سنجار، الأمر الذي أتاح له تحقيق مكسب سياسي تمثل بكسب تأييدهم العلني.

 

ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان ما حدث خلال احتجاجات الحراك الشبابي سابقا، عندما ارتكب قائد عمليات غرب نينوى الأسبق خطأ بإطلاق النار وبدء مواجهة عسكرية دون سابق إنذار، داخل مدن وقرى مكتظة بالسكان، إضافة إلى مهاجمة قوات إيزيدية كانت قد دافعت عن أرض العراق وسيادته في وقت تخلت فيه الحكومة العراقية وحكومة الإقليم عن سنجار ومحافظة نينوى، ووصم تلك القوات بالميليشيات، في حين كانت الميليشيات منتشرة حتى في العاصمة بغداد.

 

ورغم خطورة تلك الأفعال، وعقب تصاعد الاحتجاجات الشبابية المطالبة بإيقاف المعركة وسحب القوات من داخل المدن، وسمع القائد بان الشباب يناقشون فيما بينهم الخرق الذي عمله القائد دون سابق إنذار، فلجأ القائد إلى عقد مؤتمر في بغداد بدعم من رئاسة الوزراء، ووجه الدعوات ليس للشباب المتظاهرين المطلعين على تفاصيل ما جرى، بل لرؤساء عشائر وشخصيات إيزيدية وبعض الشباب الذين تم استقطابهم عاطفيا، ونجح حينها في احتواء الموقف وكسب التأييد دون أن يخضع لأي مساءلة قانونية حقيقية.

 

إن الدافع الأساسي لطرح هذا النقد يتمثل في القلق المتزايد من تغليب العاطفة على الوعي السياسي والقانوني لدى بعض ممثلي الأقلية الإيزيدية، وما يترتب على ذلك من تمرير سياسات لا تخدم قضاياهم الجوهرية.

 

فمنذ تسلم المحافظ الحالي مهامه وحتى اليوم، لم يتم وضع حجر الأساس لأي مشروع حكومي في سنجار، ولم تبذل جهود ملموسة لتسهيل عودة النازحين الإيزيديين المقيمين في مخيمات إقليم كردستان منذ أكثر من إحدى عشرة سنة، كما لم تتخذ إجراءات جدية لتسريع تعويض المتضررين، رغم أن سنجار تعد من أكثر مناطق محافظة نينوى تضررا.


كما لم يعمل المحافظ على تنفيذ بنود قانون الناجيات الإيزيديات، ولا سيما ما يتعلق برواتبهن وتخصيص وتوزيع الأراضي لهن، وهو حق قانوني صريح لا يعد منة ولا فضلا. وما جرى الترويج له في المؤتمر الصحفي بشأن توزيع أراض للناجيات لا يمكن اعتباره إنجازا، بل يعكس تأخيرا مخجلا في تطبيق قانون لم ينفذ منه سوى نسبة ضئيلة، نتيجة إهمال حكومي تتحمل فيه الحكومة المحلية جزءا واضحا من المسؤولية.

 

وفي الوقت الذي تعاني فيه سنجار من غياب الخدمات الأساسية، مثل شح مياه الشرب منذ أكثر من عشر سنوات، واضطرار أهالي القضاء والنواحي التابعة له إلى شراء المياه للاستخدام اليومي، وضعف الكهرباء، وقلة الكوادر البلدية، وتردي الواقع الصحي، وتأخر بناء المستشفيات المقررة، وعدم تنفيذ مشروع جامعة سنجار الذي أقر منذ سنوات، إضافة إلى تدهور البنى التحتية وعدم إعادة إعمار الدور السكنية المدمرة منذ عام 2014 جراء اجتياح تنظيم داعش الإرهابي، انشغلت الحكومة المحلية بالعمل على وثائق الوئام والمصالحة مع منظمات غير حكومية، دون تحقيق العدالة الانتقالية، ودون إنصاف الضحايا، ودون محاسبة المقصرين عن سقوط سنجار، ودون جبر الضرر أو ضمان عدم تكرار الجريمة.

 

إن المطالبة بحقوق الإيزيديين في سنجار لا تعني الوقوف ضد تقديم الخدمات لأهالي الموصل أو غيرهم، فجميعهم أبناء هذه المحافظة ولهم حقوق مشروعة. غير أن الإيزيديين هم أيضا أبناء نينوى، وقد قدموا تضحيات جسيمة دفاعا عن هذه الأرض والوطن، ومن حقهم أن ينالوا العدالة والإنصاف والخدمات وإعادة الإعمار، لا أن يتم تهميشهم أو استثمار معاناتهم سياسيا. فالعدالة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالحقوق وتنفيذ القوانين، لا من المؤتمرات ولا من الخطابات العاطفية.